فيض محبّة

في ذروة هلع العالم في السنة الماضية من فيروس كورونا، وفي أشدّ أوقات الإغلاق العام، وفرض العزلة على الناس، وإلزامهم بالتباعد الاجتماعي. كتبت لي إحدى طالباتي هذه الرسالة، رسالة غير عادية في وقت غير عادي، رسالة لا تنقذني بقوتها وصلابتها، بل برقتها ولينها، الرقة التي تسندنا حين يصبح كل ما حولنا قاسٍ ومتحجر يدفعنا بقوة فنسقط على هذه الرقة، نقع على هذا اللين، فلا ينكسر فينا شيء إلا خوفنا من الانكسار… نحن لا ننجو بالقوة دائمًا، وننجو باللين غالبًا.
هذا نصّ الرسالة التي حال عليها الحول، ووجبت زكاتها بالنشر:

“مساء الخير
لقد عرفتُ هذه الأيام أن الشعور وحده هو ما يدفعنا لنحيا، وأننا لا نستطيع أن نتجاوز سوء الأيام إلا بالحبّ والكثير من المشاعر الصادقة، لذلك كنتُ أريد أن أصنع شيئًا ما، لعلّه يخلق شعورًا حيًّا يحرك الأجواء الميتة، لعلّه يخلق حاجزًا أو فقاعة لحظيّة تفصلك عن بشاعة العالم وأوجاعه. كان باستطاعتي أن أصمت حتى تسنح الفرصة مرة أخرى، لكن ربّما توقيتها سيختلف، ووقعها سيتغير تبعًا لذلك، فكرت كثيرًا في عدة أشياء، ولم تكن فكرة طارئة فمنذ وقت طويل وأنا أفكر، أشهر ربّما! حسنًا هذه طبيعتي -المستفزة-، لكن عندما ساء الشعور العام وفسد العالم، رأيت أن تنفيذها الآن سيكون مناسبًا، خلعتُ ثوب التأني وشرعت في التنفيذ، حتى اصطدمتُ بالواقع المرّ “نأسف من ذلك لا يمكنك الآن” غيّرت الخطة مرارًا تبعًا للمتاح، حتى إذا شرعت في النوم، سمعت أبي ينبئ بخبر الحظر الكامل، مما يعني استحالة ذهابي لاستلام أي شيء وإرساله، لأننا في منطقة لا يعترف بها التوصيل. أكملت نومي وأنا مستاءة، مستاءة جدًا. حسنًا ليس من الجيّد أن أقول ذلك، ولا أحب فعل هذا، لكن في داخلي رغبة ملحة في صنع شعور بطريقة ما، ولو بالمحاولات الفاشلة. كما أننا عُزّلٌ من كل شيء إلا كلماتنا، محظور علينا فعل أي شيء، إلا الاستمرار بالشّعور، الشعور وحده هو من يملأ أيامنا الرتيبة هذه.
لا بأس.
لا بأس.
كله سيمضي، حتمًا، بنا أو بدوننا.
ولكن سيبقى أملنا، وإيماننا بأن ثمة صباحٌ في الطريق، بأن ثمة لقاء وحياة.
لا بأس.
سيطول ربّما ..
لكننا سنعرفُ كيف نخترع السعادة في شتى الظروف.
سنعرفُ كيف نواجه الأخبار، ونمنعها من اغتيال صباحاتنا الهادئة أو المفرطة في الهدوء.
سنعرفُ كيف نخلق الطمأنينة في أرجوحة الأحداث.
لا بأس.
كل ما حولنا يحرض على الاستياء، كل شيء يحرض على البكاء، لكن لا بأس.
ما زال شعورنا حيًّا ..
وما زال أهلنا يفيضون علينا بالسكينة والحبّ،
ما زال أصدقاؤنا يخففون عنّا قسوة الأيام ويخلقون من أحاديثهم عوالم جديدة
لنفرّ إليها ..
وما زلتِ دائمًا،
بحضوركِ المؤقت
وحديثك العذب
تغمرينني بفيض الحبّ
بعد أن يفيضَ كله
وتتلمسين -عفوًا- طرقًا
لانتشالي من كآبتي
ما زالَ حضورك البهي
ولو مرورًا في ذاكرتي
يصنع فيّ البهجة
فكان حقّك
أن تبتهجي دائمًا
فكيف للبهجةِ
أن تكون غيرَ صفتها؟
.
.
كوني بخير “

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s